روايات

توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك

ثم قالت
ماذا ستفعل؟
قلت
سأراقب قليلًا فقط. إذا رأيت ما يثير القلق سأتصل بصديقي فورًا.
لا تتصرف وحدك.
لن أفعل.
أنهينا المكالمة.
لكن الحقيقة أنني لم أكن واثقًا من شيء.
عدت إلى الكاميرا.
ومرت عشـ . ـرون دقيقة أخرى.
ثم حدث أول شيء لفت انتباهي.
خرج طفلان من الباب الأزرق.
تبعتهـ . ـما امرأة تحمل أوراقًا.
لكن الطفلين لم يكونا يرتديان الملابس نفسها التي دخلا بها.
أحدهما كان يرتدي بدلة صغيرة أنيقة.
والآخر قميصًا أبيض وربطة عنق.
راقبتهـ . ـما حتى ركبا سيارة والدهما.

ثم عدت إلى تسجيل الفيديو.
خرج طفل ثالث.
كان قد دخل مرتديًا ملابس ريـ . ـاضية.
أما الآن فكان يرتدي ثوبًا أبيض طويلًا.
وبجانبه رجل يحمل حقيبة كبيرة مليئة بالملابس.
شعرت بالحيرة.
ملابس مختلفة.
أطفال.
زيارات قصيرة.
كل قطعة كانت تنضم إلى الأخرى لتشـ . ـكل صورة لم
أفهمها بعد.
بعد نصف ساعة أخرى رأيت شيئًا جديدًا.
شاحنة صغيرة توقفت أمام المبنى.
فتح السائق الباب الخلفي.
وبدأ بإنزال صناديق معدنية.
ركزت العدسة.
كان أحد الصناديق مفتوحًا جزئيًا.

وفي داخله ظهر ما يشبه حامل إضاءة احترافي.
ثم صندوق آخر.
ثم خلفه كاميرا كبيرة مثبتة على قاعدة متحركة.
تجمدت يدي فوق الكاميرا.
معدات تصوير.
حقيقية هذه المرة.
ليست مجرد استنتاج من رسومـ . ـات مريم.
أصبحت أمامي الآن.
شعرت بأنفاسي تتباطأ.
مريم لم تكن تتخيل.
كانت تصف ما رأته فعلًا.
استمر العمال بنقل المعدات إلى الداخل.
واستمر الأطفال بالدخول والخروج.
ومع مرور الوقت بدأ احتمال جديد يتشـ . ـكل في ذهني.
ربما لم يكن المبنى مهجورًا كما يبدو من الخارج.

وربما لم يكن ما يحدث داخله جـ . ـريمة بالمعنى الذي تخيلته منذ البداية.
لكن ذـ . لك لم يفسر لماذا أُخفي الأمر عني وعن زينب.
ولا لماذا طُلب من مريم أن تلتزم الصمت.
وفي الحـ . ـادية عشـ . ـرة تقريبًا…
فُتح الباب مجددًا.
وخرجت حمـ . ـاتي.
اعتدلت في جلستي فورًا.
كانت وحدها.
تحدثت مع رجل يقف عند المدخل.
ثم أخرجت مغـ . ـلفًا صغيرًا من حقيبتها وسلمته له.
لم أستطع رؤية ما بداخله.
بعدها عادت إلى الداخل.
رفعت الكاميرا وحاولت التقاط صور أوضح.

لكن المـ . ـسافة كانت بعيدة.
فكرت بالاقتراب.
كان القرار محفوفًا بالمخاطر.
لكن البقاء في مكاني لم يعد كافيًا.
أغـ . ـلقت الكاميرا.
ونزلت من السيارة.
تحركت على الرصيف المقابل كأي عابر سبيل.
مررت بجانب محل قديم لبيع قطع السيارات.
ثم عبرت الشارع ببطء.
حتى أصبحت على بعد عشـ . ـرات الأمتار فقط من المبنى.
ومن هناك استطعت السـ . ـمع لأول مرة.
كان الباب يُفتح ويُغـ . ـلق باستمرار.
ومع كل فتحه كانت تصلني أصوات متقطـ . ـعة.
ضحكات أطفال.
أحـ . ـاديث سريعة.

وأسـ . ـماء.
أسـ . ـماء أطفال يجري مناداتها تباعًا.
علي.
ثم
يوسف.
ثم
نور.
ثم بعد دقائق
مريم.
توقفت في مكاني.
ليس لأن الاسـ . ـم كان دليلًا على شيء.
بل لأنه أكد أن ابنتي ما زالت في الداخل.
شعرت بانقباض في صدري.
ورغبة جارفة في التوجه نحو الباب فورًا.
لكنني أجبرت
نفسي على التراجع.
عدت إلى السيارة.
وأعدت تشغيل الكاميرا.
في الثانية عشـ . ـرة إلا ربعًا تقريبًا.
فُتح الباب الأزرق مجددًا.
وخرجت مريم.
كانت ترتدي فستانًا مختلفًا.

أبيض هذه المرة.
وشعرها مرتب بطريقة لم تكن عليها عنـ . ـدما غادرت المنزل.
كانت تمشي بجانب رجل في الأربعين تقريبًا.
يحمل ملفًا تحت ذراعه وبطاقة تعريف معلقة في عنقه.
بدا كأحد العاملين في المكان.
خلفهما ظهرت حمـ . ـاتي.
كانت تبتسـ . ـم.
ثم انحنت نحو مريم وقالت شيئًا.
بعدها أشارت إلى الرجل.
وفي تلك اللحظة رفعت الكاميرا.
وضغطت زر التصوير.
مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
عشـ . ـرات الصور المتتالية.
صورة واضحة.
حمـ . ـاتي.
ابنتي.
وأحد العاملين في المبنى.
كلهم في إطار واحد.
نظرت إلى الشاشة.
وتأكدت أن الصورة التُقطت بوضوح كامل.
شعرت بأن شيئًا ما قد تغير.

حتى لو اختفى الجميع الآن.
حتى لو أغـ . ـلقوا المبنى وغادروا.
أصبح لدي ما يكفي لأواجه أمينة بالحقيقة.
وأصبح لدي دليل واضح على أن مريم كانت هنا بالفعل.
أخرجت هاتفي واتصلت بزينب.
ردت بسرعة.
قلت دون مقدمـ . ـات
حصلت على الصور.
سألت بلهفة
هل مريم بخير؟
نعم.
سـ . ـمعت زفيرًا طويلًا خرج منها.
ثم سألت
وماذا اكتشفت؟
نظرت إلى الباب الأزرق.
ثم قلت
لا أعرف بعد.
ساد الصمت بيننا.
ثم قالت
إذن ماذا ستفعل؟

كان الباب لا يزال مفتوحًا جزئيًا.
وأحد العاملين خرج للتدخين قرب المدخل.
في تلك اللحظة خـ . ـطرت لي فكرة.
فكرة قد تمنحني الإجابة التي أبحث عنها.
قلت
سأدخل.
ساد صمت طويل.
ثم قالت
أحمد… لا تتصرف بتهـ . ـور.
أجبت
لن أفعل.
إذن كن حـ . ـذرًا.
سأكون حـ . ـذرًا.
أغـ . ـلقت الهاتف.
ثم التقطت حقيبة الكاميرا.
وخرجت من السيارة.
لأدخل ذـ . لك المبنى بنفسي.
وأعرف أخيرًا ما الذي يحدث خلف الباب الأزرق.
عنـ .

ـدما وصلت إلى الباب الأزرق وجدته مفتوحًا جزئيًا.
لكن هذه المرة لاحظت شيئًا لم أره من الخارج.
مكتب استقبال صغير.
وموظف يجلس خلفه.
اقتربت بهدوء.
رفع الرجل رأسه نحوي.
وقال
نعم أستاذ؟
ابتسـ . ـمت ابتسامة مترددة.
وقلت
سـ . ـمعت عن المكان من أحد الأصدقاء. عندي طفل وأردت أن أعرف طبيعة العمل هنا.
أشار إلى عدة مقاعد في قاعة الانتظار.
تفضل. سيشـ . ـرح لك مسؤول التنسيق كل شيء.
جلست.
وأخذت أراقب المكان من حولي.
لأول مرة رأيت ما يوجد خلف الباب الأزرق بوضوح.

لم يكن مخزنًا مهجورًا.
ولم يكن مكانًا سريًا كما تخيلت.
بل استوديو تصوير كبير.
كاميرات.
إضاءات احترافية.
خلفيات ملونة.
غرف تبديل ملابس.
وأطفال.
الكثير من الأطفال.
بعضهم مع آبائهم.

وبعضهم مع أمهاتهـ . ـم.
وبعضهم ينتظر دوره في التصوير.
لثوانٍ شعرت بشيء من الارتياح.
ربما أخـ . ـطأت.
ربما كانت مريم تبالغ.
وربما كانت أمينة تخفي الأمر فقط لأنها تعرف أننا سنرفـ . ـض مشاركة ابنتنا في الإعلانات.
لكن شيئًا ما ظل يزعجـ . ـني.
في إحدى الزوايا كانت طفلة صغيرة تقف أمام الكاميرا.
بدت مرهقة.
ورغم ذـ . لك طلب منها المصور إعادة المشهد مرة بعد أخرى.
وفي الجهة المقابلة كان طفل يبدل ملابسه للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة.
مرة بزي مدرسي.
ومرة بدشداشة.

ومرة بملابس ريـ . ـاضية.
كل شيء بدا قانونيًا.
لكن الأطفال هنا لم يكونوا يشاركون في نشاط ترفيهي.
كانوا جزءًا من صناعة كاملة.
إعلانات.
محتوى دعائي.
فيديوهات ممولة.
وحملات تسويقية.
بينما كنت أراقب المكان لمحْت مريم.
كانت تجلس في آخر القاعة.
ترتدي الفستان الأبيض.
وبجوارها أمينة.
شعرت بانقباض في صدري.
خفضت رأسي فورًا حتى لا تراني.
وبدأت أراقب من بعيد.
بعد دقائق اقتربت منهما موظفة تحمل عدة أوراق.
وضعتها أمام أمينة.
ثم أشارت إلى مكان محدد.
تناولت أمينة القلم.
ووقـ . ـعت.

مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم أعادت الأوراق إليها.
لم أستطع رؤية التفاصيل.
لكنني التقطت عدة صور بهاتفي من بعيد.
بعد ذـ . لك اتجهت الموظفة نحو الطابعة القريبة.
وطبعت مجموعة أوراق جديدة.
ثم غادرت للحظات بعدما ناداها أحد العاملين.
بقيت الأوراق فوق المكتب.
وحيدة.
اقتربت ببطء.
متظاهرًا بتفحص بعض المنشورات الدعائية الموضوعة بجوارها.
ألقيت نظرة سريعة.
ثم ثانية.
وفي الثانية تجمدت مكاني.
كان اسـ . ـم أمينة ظاهرًا أعلى إحدى الصفحات.
وتحته سجل دفعات متعددة.
مواعيد مختلفة.
ومبالغ متكررة.
ليست كبيرة.

لكنها منتظمة.
شهرًا بعد شهر.
التقطت صورتين بسرعة.
ثم عدت إلى مقعدي قبل أن ينتبه أحد.
بعد دقائق خرج رجل قدم نفسه بصفته مسؤول التنسيق.
جلس معي.
وبدأ يشـ . ـرح طبيعة العمل.
كيف تشارك بعض الشـ . ـركات أطفالًا في حملاتها الإعلانية.
وكيف يحصل أولياء الأمور على مقابل مادي لقاء الجلسات.
أخبرني أن الاستوديو يعتمد على الشخص الذي يحضر الطفل بصفته المـ . ـسؤول عنه، ما دام يوقع التعهدات المطلوبة.
كنت أومئ برأسي.
لكنني لم أكن أستمع حقًا.
لأن
الصورة بدأت تتشـ . ـكل أمامي.

لم يكن هناك خطف.
ولم يكن هناك احتجاز.
لكن أمينة كانت تأخذ مريم إلى هذا المكان منذ أشهر.
دون علمنا.
وتوقع الأوراق بنفسها.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى