
توسلت إليَّ ابنتي ألا أسافر في رحلة العمل تلك، ثم همست وهي ترتجف
يا أبي… كلما غادرت البيت تأخذني جدتي إلى مكان غريب وتطلب مني ألا أخبرك.
ودفـ . ـنت وجهها في كتفي.
ثم همست
جدتي قالت إن أبي وأمي سيغضـ . ـبان مني إذا أخبرتكم.
أغمضت عيني للحظة.
وضممتها بقوة.
في تلك اللحظة لم يعد مؤتمر بغداد يعني لي شيئًا.
كنت من المفترض أن أغادر البصرة صباح اليوم التالي لحضور المؤتمر، لكن كل ما كان يشغـ . ـلني الآن هو ابنتي.
بعد أقل من نصف ساعة عادت زوجتي زينب من عملها.
أخذتها إلى غرفة الجلوس وأخبرتها بكل ما قالته مريم.
ظهر الإنكار أولًا على وجهها.
ثم القلق.
ثم الحيرة.
قالت بصوت منخفض
الباب الأزرق…
فتحت حاسوبي المحمول.
وأخرجت بعض الرسومـ . ـات التي كانت مريم قد رسـ . ـمتها قبل أسابيع.
كنا نظن أنها مجرد رسومـ . ـات لطفلة حـ . ـزينة بعد وفـ . ـاة جدها.
لكننا رأيناها بطريقة مختلفة هذه المرة.
مبنى كبير.
باب أزرق.
وأشـ . ـكال تشبه معدات تصوير.
جلست زينب ببطء.
وقالت
يجب أن أسأل أمي عن هذا.
هززت رأسي.
ليس الآن.
نظرت إليّ باستغراب.
فأوضحت
إذا واجهناها مباشـ . ـرة فقد تتوقف عن أخذ مريم إلى ذـ . لك المكان، وسنفقد فرصة معرفة الحقيقة.
سكتت للحظات.
ثم سألت
وماذا سنفعل؟
قلت
اتصلت بصديق يعمل في قسـ . ـم حماية الأسرة والطفل.
رفعت رأسها نحوي.
فأكملت
لم أقدم بلاغًا. طلبت منه فقط النصيحة. أخبرته بما قالته مريم، فقال إن علينا التأكد من المكان أولًا، وألا أحاول التدخل وحدي إذا بدا أن هناك ما يدعو للقلق.
تنفست زينب ببطء.
ثم قالت
أتمنى أن يكون هناك تفسير طبيعي لكل هذا.
قلت
وأنا أيضًا.
لكنني لن أغامر بابنتنا حتى أتأكد بنفسي.
بحلول المـ . ـساء كانت الخطة جاهزة.
سأغادر المنزل بالحقيبة كأنني ذاهب إلى المطار.
وزينب ستخرج إلى عملها كالمعتاد.
أما أنا فسأعود سرًا وأراقب.
في تلك الليلة أرسلت أمينة رسالة إلى زينب
متى سيغادر أحمد؟
أجابتها
في السادسة والنصف صباحًا.
لاحقًا دخلت زينب إلى مكتبي.
كنت أراجع بطاريات الكاميرا.
قالت
ماذا لو كان هناك تفسير بريء لكل هذا؟
نظرت
إليها.
ثم قلت
أتمنى ذـ . لك.
لكنني لن أغامر بابنتنا لأكتشف الحقيقة متأخرًا.
في صباح اليوم التالي أدينا دور العائلة الطبيعية بإتقان.
ودعتني زينب عند الباب.
ولوحت لي مريم.
أما أمينة فكانت تراقب المشهد من شـ . ـرفة الملحق.
هادئة كعادتها.
بعد ساعة كنت جالسًا داخل سيارتي في شارع قريب.
أراقب المنزل من بعيد.
عند الثامنة وخمس وخمسين دقيقة دخلت أمينة إلى المنزل.
وفي التاسعة تمامًا خرجت مجددًا.
وبرفقتها مريم.
كانت ترتدي فستانًا أصفر لم أرَه من قبل.
تفصيلة صغيرة.
لكنها أقلقتني.
لأنها أوحت بأن هذه الزيارات ليست الأولى.
رفعت الكاميرا وبدأت التصوير.
فتحت أمينة باب السيارة.
وربطت حزام الأمان لمريم.
ثم انطلقت.
تركت بيننا سيارتين وبدأت أتبعها بحـ . ـذر.
مررنا بعدة شوارع.
ثم غادرنا المنطقة السكنية.
ووصلنا إلى حي قديم في أطراف البصرة.
منطقة تنتشـ . ـر فيها المخازن والورش والمباني شبه المهجورة.
بعد دقائق انعطفت إلى شارع جانبي ضيـ . ـق.
وأوقفت السيارة أمام مبنى قديم.
هناك رأيته.
باب فولاذي كبير.
مطلي بلون أزرق فاقع.
أزرق تمامًا كما وصفته مريم.
توقفت بعيدًا.
وأخرجت العدسة الطويلة.
فتحت أمينة الباب الخلفي للسيارة.
نزلت مريم.
عدلت لها الفستان الأصفر.
ثم أمسكت يدها.
وأدخلتها إلى المبنى.
واختفتا خلف الباب الأزرق.
بعد سبع دقائق وصل رجل يرتدي معطفًا داكنًا.
ثم امرأة تحمل حقيبة كبيرة.
ثم سيارة أخرى نزل منها طفلان مع امرأة ثالثة.
ثم سيارة ثانية.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
جلست في سيارتي أراقب عبر عدسة الكاميرا.
وكل دقيقة تمر كانت تجعل ذـ . لك المبنى أكثر غرابة وأقل قابلية للتفسير.
لم يكن هناك أي اسـ . ـم على الواجهة.
لا لوحة.
لا شعار.
لا حتى رقم واضح يدل على طبيعة المكان.
مجرد بناء قديم يقع في شارع جانبي هادئ من شوارع البصرة.
وباب أزرق لامع يبدو جديدًا على نحو لا ينسجم مع بقية المبنى.
كانت حمـ . ـاتي قد دخلت منذ أكثر من عشـ . ـر دقائق مع مريم.
ولم تخرج.
رفعت الكاميرا مرة أخرى.
وصل رجل خمسيني يقود سيارة بيضاء قديمة.
نزل من السيارة
وفتح الباب الخلفي.
خرج صبي صغير لا يتجاوز التاسعة من عمره.
أمسك الرجل بيده واتجها نحو الباب الأزرق.
فتح لهما شخص من الداخل.
ثم اختفيا.
بعد دقائق وصلت امرأة أخرى ومعها طفلة.
ثم رجل مع ولدين.
ثم امرأة محجبة تدفع طفلة على كرسي متحرك.
كلهم كانوا يدخلون إلى المبنى نفسه.
شعرت بشيء من الارتباك.
لو كان ما أخشاه صحيحًا، فلماذا يأتي هؤلاء الأطفال مع ذويهم علنًا؟
ولماذا يبدو الجميع مرتاحين؟
لكن شيئًا آخر ظل يضغط على صدري.
السرية.
كل شيء كان سريًا أكثر مما ينبغي.
تذكرت كلمـ . ـات مريم.
الجدة قالت لا أخبر أحدًا.
الأماكن الطبيعية لا تحتاج عادة إلى هذا النوع من الأسرار.
وضعت الكاميرا جانبًا للحظة وأخرجت هاتفي.
اتصلت بزينب.
ردت فورًا.
وكأنها كانت تنتظر المكالمة.
قالت بصوت متوتـ . ـر
أين أنت الآن؟
أجبت وأنا أراقب الباب الأزرق
ما زلت أتابع.
هل وجدت المكان؟
نعم.
ساد صمت قصير.
ثم سألت
هل يبدو مكانًا خطـ . ـيرًا؟
نظرت نحو المبنى.
ثم قلت
لا أعرف.
كيف لا تعرف؟
هناك أطفال كثيرون يدخلون مع أهاليهم.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت
إذن ربما يكون مكانًا عاديًا.
ربما.
لكن مريم ما زالت هناك.
أعرف.
سـ . ـمعت زفيرها المرتجف.


